يُعدّ موضوع “إرسال الابن من الآب” إعلان أساسي في الأناجيل وبالأخص إنجيل يوحنا، ويظهر في الكثير من المواضع. ويُساء فهمه أحيانًا لدى البعض باعتباره دليلاً على دونية الابن وأنه مجرد نبي مُرسل كسائر الأنبياء!
إن مفهوم إرسال الابن لا يمكن فهمه في إطار الدونية أو الإرسالية النبوية، بل في إطار أعمق يرتبط بسرّ الثالوث والتجسد الإلهي. لذلك يقدّمه الكتاب المقدس كإعلان عن:
العلاقة الأقنومية الأزلية (البنوة) + التدبير الخلاصي في الزمن (التجسد)
أولًا: إرسال إلهي وليس إرسالية نبوية
“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كَانَ اللهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللهِ وَأَتَيْتُ، لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي.” (يو 8: 42)
“لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 6: 38)
"كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي." (يو 6: 57)
هل الإرسال ينفي لاهوت المسيح؟ الإجابة: لا، لأن الآيات تُظهر أن الإرسال ليس مجرد تكليف خارجي، بل مرتبط بالخروج من الله والنزول من السماء. وهذه النصوص لا يمكن اختزالها في مجرد إرسال نبوي، لأنها تتجاوز مفهوم النبي المُرسل وتتكلم عن أصل إلهي سابق للزمن. لذلك الإرسال هنا يشير إلى العلاقة الأزلية (البنوة) + ظهورها في الزمن (التدبير)، وليس مجرد حدث زمني منفصل.
لذلك حين يقول إنه أُرسل، لا ينبغي أن نفهم ذلك كإرسال الأنبياء، بل كإعلان أن الابن الكلمة، وهو من جوهر الآب، قد ظهر في الجسد. فالإرسال لا يفصل الابن عن الآب، بل يُظهر أنه منه. فالآب لم يُرسل الابن كآخر غريب عنه، بل ككلمة الله الحي، الذي إذ صار إنسانًا، أظهر لنا الآب، وأعادنا إليه.
"هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لَا تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ." (إش 55: 11)
ثانيًا: الحياة الأبدية ومعرفة الآب والابن
“وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.” (يو 17: 3)
الآب يُدعى “الإله الحقيقي”
الابن يُذكر معه كموضوع للخلاص
الحياة الأبدية هي المعرفة
المعرفة = شركة (الآب ويسوع المسيح)
لأن الابن يسوع المسيح هو الطريق لهذه المعرفة
"لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ»." (يو 14: 7)
"فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلَا أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا»." (يو 8: 19)
"كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." (مت 11: 27)
لذلك لو كان الابن آخر غير الله، لما كانت معرفته حياة أبدية. لأن الحياة الأبدية لا تُعطى بمعرفة مخلوق، بل بمعرفة الله، ولكان ذكر الآب فقط يكفي هنا. فإذًا ذكره مع الآب يعلن وحدته معه وانه هو الله.
ثالثًا: طاعة الابن لمشيئة الآب
“قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ.” (يو 4: 34)
“أَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا، كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 5: 30)
“لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 6: 38)
هل طاعة المسيح لمشيئة الآب تنفي لاهوته؟ الإجابة: لا، إن للمسيح مشيئتين بحسب طبيعته، إلهية وبشرية. لكن مشيئته البشرية لا تعارض الإلهية، بل تتبعها بطاعة وخضوع. فهو كإله، له نفس مشيئة الآب. وكإنسان، يطيع بإرادة بشرية حقيقية. فهذه الطاعة هي إعلان التجسد، لا دليل نقص. إذًا الطاعة لا تعني نقص بل إعلان الطبيعة البشرية الكاملة
رابعًا: وحدة الشهادة والعمل بين الآب والابن
"وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هَذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي." (يو 5: 36)
“وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي.” (يو 5: 37)
“أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 8: 18)
"فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذَلِكَ." (يو 5: 19)
فلو كان الابن أقل من الآب، لما كانت شهادته توضع بجانب شهادة الآب. لكن إذ هو كلمته وصورته، فشهادته هي نفس شهادة الآب. نفس الشيء على الأعمال فمهما عمل الآب فهذا يعمله الابن أيضا.
خامسًا: الإيمان بالمسيح ورؤيته إيمان بالآب ورؤيته
“فَنَادَى يَسُوعُ وَقَالَ: «الَّذِي يُؤْمِنُ بِي، لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 12: 44)
“وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 12: 45)
هذه من أقوى النصوص، لأنها تعني أنه لا يمكن الوصول إلى الأب خارج المسيح. فالابن هو صورة الآب، ومن يرى الصورة يرى الأصل. فالابن هو صورة الآب غير المنظور، فمن يراه لا يرى آخر غير الآب، بل يرى الآب فيه. لأنهما واحد في الجوهر.
سادسًا: إرسالية المسيح وإرسال الرسل
“كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.” (يو 17: 18)
“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.” (يو 20: 21)
“مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (مت 10: 40)
“مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلاَدٍ مِثْلَ هَذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَلَيْسَ يَقْبَلُنِي أَنَا بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (مر 9: 37)
“وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ قَبِلَ هَذَا الْوَلَدَ بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي…” (لو 9: 48)
“اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي…” (لو 10: 16)
“اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: الَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي…” (يو 13: 20)
إرسال المسيح هنا متمايز عن إرسال الرسل. لأن المسيح هنا هو الذي يُرسل الرسل! فالذي يُرسل الرسل لا يمكن أن يكون مخلوقا بل الله نفسه. المسيح هنا مرسل بالطبيعة كابن (كلمة) خارج من الآب، أما الرسل مرسلون ليكرزوا باسمه بالنعمة من الابن كإله. فعندما أرسلهم لم يجعلهم مثله في الطبيعة، بل أعطاهم كرامة الخدمة باسمه. فالفرق عظيم بين الابن بالطبيعة والعبد الذي نال التبني بالنعمة.
سابعًا: القيامة والحياة غاية الإرسال
"«اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلَا يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ." (يو 5: 24)
"لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ»." (يو 6: 40)
"لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ." (يو 6: 44)
الآب يُرسل الابن: "الَّذِي أَرْسَلَنِي"
الآب والابن موضوع الإيمان: "يُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي" و"مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ"
الابن الذي أُرسل هو نفسه الذي يُقيم الموتى وهو عمل إلهي: "أَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ"
"لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذَلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ." (يو 5: 21)
مما سبق يتّضح أن مفهوم إرسال الابن لا يمكن فهمه في إطار الدونية أو الإرسالية النبوية، بل في إطار أعمق يرتبط بسرّ الثالوث والتجسد الإلهي. فالإرسال لا يفصل الابن عن الآب، بل يُعلن أنه منه، كما أن الطاعة لا تنفي الألوهية بل تكشف عن حقيقة التجسد الإلهي، وأن ما يفعله الابن هو بعينه عمل الآب، لأن “كل ما للآب هو للابن” (يو 16: 15).
وبذلك فإن الإرسال في الإيمان المسيحي ليس تقليلاً من شأن الابن، بل هو إعلان محبة الآب المتدفقة في التاريخ، حيث دخل الكلمة إلى العالم لا كغريب عن الآب، بل كإله متجسد ليهب الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.
وبهذا نرى أن المسيح المرسَل هو نفسه الكلمة الأزلي المولود من الآب والواحد معه في الجوهر، والإرسال هو ظهور في الزمن لمن هو كائن مع الآب قبل كل الدهور، لا انفصالًا عنه بل إعلانًا له.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق