‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثالوث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثالوث. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 26 أبريل 2026

لاهوت المسيح وإرساليته من الآب

 يُعدّ موضوع “إرسال الابن من الآب” إعلان أساسي في الأناجيل وبالأخص إنجيل يوحنا، ويظهر في الكثير من المواضع. ويُساء فهمه أحيانًا لدى البعض باعتباره دليلاً على دونية الابن وأنه مجرد نبي مُرسل كسائر الأنبياء!

إن مفهوم إرسال الابن لا يمكن فهمه في إطار الدونية أو الإرسالية النبوية، بل في إطار أعمق يرتبط بسرّ الثالوث والتجسد الإلهي. لذلك يقدّمه الكتاب المقدس كإعلان عن:

العلاقة الأقنومية الأزلية (البنوة) + التدبير الخلاصي في الزمن (التجسد)

أولًا: إرسال إلهي وليس إرسالية نبوية

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كَانَ اللهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللهِ وَأَتَيْتُ، لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي.” (يو 8: 42)

“لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 6: 38)

"كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي." (يو 6: 57)

هل الإرسال ينفي لاهوت المسيح؟ الإجابة: لا، لأن الآيات تُظهر أن الإرسال ليس مجرد تكليف خارجي، بل مرتبط بالخروج من الله والنزول من السماء. وهذه النصوص لا يمكن اختزالها في مجرد إرسال نبوي، لأنها تتجاوز مفهوم النبي المُرسل وتتكلم عن أصل إلهي سابق للزمن. لذلك الإرسال هنا يشير إلى العلاقة الأزلية (البنوة) + ظهورها في الزمن (التدبير)، وليس مجرد حدث زمني منفصل. 

لذلك حين يقول إنه أُرسل، لا ينبغي أن نفهم ذلك كإرسال الأنبياء، بل كإعلان أن الابن الكلمة، وهو من جوهر الآب، قد ظهر في الجسد. فالإرسال لا يفصل الابن عن الآب، بل يُظهر أنه منه. فالآب لم يُرسل الابن كآخر غريب عنه، بل ككلمة الله الحي، الذي إذ صار إنسانًا، أظهر لنا الآب، وأعادنا إليه.

"هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لَا تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ." (إش 55: 11)

ثانيًا: الحياة الأبدية ومعرفة الآب والابن

“وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.” (يو 17: 3)

  • الآب يُدعى “الإله الحقيقي”

  • الابن يُذكر معه كموضوع للخلاص

  • الحياة الأبدية هي المعرفة

  • المعرفة = شركة (الآب ويسوع المسيح)

  • لأن الابن يسوع المسيح هو الطريق لهذه المعرفة

"لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ»." (يو 14: 7)

"فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلَا أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا»." (يو 8: 19)

"كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." (مت 11: 27)

لذلك لو كان الابن آخر غير الله، لما كانت معرفته حياة أبدية. لأن الحياة الأبدية لا تُعطى بمعرفة مخلوق، بل بمعرفة الله، ولكان ذكر الآب فقط يكفي هنا. فإذًا ذكره مع الآب يعلن وحدته معه وانه هو الله.

ثالثًا: طاعة الابن لمشيئة الآب

“قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ.” (يو 4: 34)

“أَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا، كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 5: 30)

“لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 6: 38)

هل طاعة المسيح لمشيئة الآب تنفي لاهوته؟ الإجابة: لا، إن للمسيح مشيئتين بحسب طبيعته، إلهية وبشرية. لكن مشيئته البشرية لا تعارض الإلهية، بل تتبعها بطاعة وخضوع. فهو كإله، له نفس مشيئة الآب. وكإنسان، يطيع بإرادة بشرية حقيقية. فهذه الطاعة هي إعلان التجسد، لا دليل نقص. إذًا الطاعة لا تعني نقص بل إعلان الطبيعة البشرية الكاملة

رابعًا: وحدة الشهادة والعمل بين الآب والابن

"وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هَذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي." (يو 5: 36)

“وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي.” (يو 5: 37)

“أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 8: 18)

"فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذَلِكَ." (يو 5: 19)

فلو كان الابن أقل من الآب، لما كانت شهادته توضع بجانب شهادة الآب. لكن إذ هو كلمته وصورته، فشهادته هي نفس شهادة الآب. نفس الشيء على الأعمال فمهما عمل الآب فهذا يعمله الابن أيضا.

خامسًا: الإيمان بالمسيح ورؤيته إيمان بالآب ورؤيته

“فَنَادَى يَسُوعُ وَقَالَ: «الَّذِي يُؤْمِنُ بِي، لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 12: 44)

“وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 12: 45)

هذه من أقوى النصوص، لأنها تعني أنه لا يمكن الوصول إلى الأب خارج المسيح. فالابن هو صورة الآب، ومن يرى الصورة يرى الأصل. فالابن هو صورة الآب غير المنظور، فمن يراه لا يرى آخر غير الآب، بل يرى الآب فيه. لأنهما واحد في الجوهر.

سادسًا: إرسالية المسيح وإرسال الرسل

“كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.” (يو 17: 18)

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.” (يو 20: 21)

“مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (مت 10: 40)

“مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلاَدٍ مِثْلَ هَذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَلَيْسَ يَقْبَلُنِي أَنَا بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (مر 9: 37)

“وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ قَبِلَ هَذَا الْوَلَدَ بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي…” (لو 9: 48)

“اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي…” (لو 10: 16)

“اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: الَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي…” (يو 13: 20)

إرسال المسيح هنا متمايز عن إرسال الرسل. لأن المسيح هنا هو الذي يُرسل الرسل! فالذي يُرسل الرسل لا يمكن أن يكون مخلوقا بل الله نفسه. المسيح هنا مرسل بالطبيعة كابن (كلمة) خارج من الآب، أما الرسل مرسلون ليكرزوا باسمه بالنعمة من الابن كإله. فعندما أرسلهم لم يجعلهم مثله في الطبيعة، بل أعطاهم كرامة الخدمة باسمه. فالفرق عظيم بين الابن بالطبيعة والعبد الذي نال التبني بالنعمة.

سابعًا: القيامة والحياة غاية الإرسال

"«اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلَا يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ." (يو 5: 24)

"لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ»." (يو 6: 40)

"لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ." (يو 6: 44)

  • الآب يُرسل الابن: "الَّذِي أَرْسَلَنِي"

  • الآب والابن موضوع الإيمان: "يُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي" و"مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ"

  • الابن الذي أُرسل هو نفسه الذي يُقيم الموتى وهو عمل إلهي: "أَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" 

"لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذَلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ." (يو 5: 21)


مما سبق يتّضح أن مفهوم إرسال الابن لا يمكن فهمه في إطار الدونية أو الإرسالية النبوية، بل في إطار أعمق يرتبط بسرّ الثالوث والتجسد الإلهي. فالإرسال لا يفصل الابن عن الآب، بل يُعلن أنه منه، كما أن الطاعة لا تنفي الألوهية بل تكشف عن حقيقة التجسد الإلهي، وأن ما يفعله الابن هو بعينه عمل الآب، لأن “كل ما للآب هو للابن” (يو 16: 15).

وبذلك فإن الإرسال في الإيمان المسيحي ليس تقليلاً من شأن الابن، بل هو إعلان محبة الآب المتدفقة في التاريخ، حيث دخل الكلمة إلى العالم لا كغريب عن الآب، بل كإله متجسد ليهب الحياة الأبدية لكل من يؤمن به. 

وبهذا نرى أن المسيح المرسَل هو نفسه الكلمة الأزلي المولود من الآب والواحد معه في الجوهر، والإرسال هو ظهور في الزمن لمن هو كائن مع الآب قبل كل الدهور، لا انفصالًا عنه بل إعلانًا له.


الثلاثاء، 27 مايو 2025

هل يعبد المسيحي ثلاثة آلهة؟

 

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا بين بعض المسلمين ويجتهد البعض حاليا من خلال فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي في الادعاء أن المسيحي "يعبد ثلاثة آلهة" بسبب عقيدة الثالوث المسيحية. هذا الادعاء، وإن كان نابعًا من بعض المسلمين بسبب الغيرة على إيمانه بالتوحيد المطلق، لكنه يعكس غالبًا سوء فهم لمضمون العقيدة المسيحية التي تُقِر الإيمان بإله واحد. وهذا الأمر لا يعكس سوء فهم فقط، بل يتعدى ذلك إلى الاستماتة من خلال تقديم كتابات وفيديوهات في محاولة إثبات أن المسيحي يعبد ثلاثة آلهة!
نؤمن نحن المسيحيون بإله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب، والابن، والروح القدس. وهذه الأقانيم ليست ثلاث ذوات منفصلة أو ثلاثة آلهة مستقلين، بل تعيّنات داخلية أو مميزات خاصة (أقانيم) في ذات واحدة في الجوهر الإلهي الواحد. فنقول: "نعبد إلهًا واحدًا في ثلاث أقانيم أزلية.". فكل أقنوم هو نفس ذات الله كاملًا، دون انفصال أو انقسام في الذات الإلهية. هذا المفهوم لا يعني التعدد العددي للآلهة، بل هو مفهوم لاهوتي عقد للتعبير عن كمال الذات الإلهية من خلال علاقات داخلية، وليس تعددًا في الذوات.
المنهج العادل في الحوار أن يُبنى الحكم على عقائد الآخرين كما يُعبّرون هم عنها، لا كما نتخيلها نحن. فعقيدة الثالوث لا يصح أن تُفهم من خلال تصورات مشوَّهة لبعض المسلمين، ثم تُبنى عليها اتهامات جاهزة بالشرك وتعدّد الآلهة. فهناك فرق بين أن تفهم وأن تؤمن. فالمسلم غير مُطالب بالإيمان بالثالوث، فهو حرّ في معتقده، لكن إن أراد أن يتحدث عنه أو ينقده، فعليه أن يفعل ذلك بناء على اعتقاد المسيحي المؤمن به، لا كما يصوّره في ذهنه بناءً على افتراضات خاطئة.
وقد اتبع هذا المنهج عدد من كبار علماء الإسلام في تناولهم لعقيدة الثالوث المسيحية، مثل الغزالي، والرازي. فمع أنهم كتبوا ردودًا وانتقادات لما يؤمن به المسيحيون، إلا أنهم حين تحدّثوا عن الثالوث تناولوا العقيدة كما يعبّر عنها أهلها، لا كما يُساء فهمها.
أبو حامد الغزالي (450هـ-505هـ/1058م-1111م)، الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل، ص147-148
"لأنهم يعتقدون أن ذات الباري واحدة في الموضوع، ولها اعتبارات……. هذا حاصل هذا الاصطلاح، فتكون ذات الإله واحدة في الموضوع، موصوفة بكل أقنوم من هذه الأقانيم."
فخر الدين الرازي (544هـ-606هـ/1149م-1210م)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج11 ص118
"واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدا، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، وإلا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعددة قائمة بأنفسها……….. وأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة ، فهذا لا يمكن إنكاره ، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد."
هنا الإمام الرازي، المعروف بدقته في العقائد بين علماء الإسلام، لم يُسارع إلى الحكم على عقيدة الثالوث بالشرك، إلا في حال ثبوت القول بوجود "ذوات" إلهية مستقلة، وهو يراها كذلك – رغم أن لا أحد من المسيحيين يقول بذلك. لكن الرازي يُقرّ بأنه إن فُهمت "الثلاثة" على أنها صفات داخلية في ذات إلهية واحدة، فلا يُعد ذلك شركًا. ونحن كمسيحيين نؤمن بأن الأقانيم ليست ذواتًا منفصلة، بل هي تمايزات خاصة وتعيّنات أزلية في الذات الإلهية الواحدة. بل إن الرازي نفسه يرى أن العقيدة الإسلامية أيضًا لا تنفي تعدد الصفات في ذات الله، ولا يُعد ذلك تعددًا في الألوهية، ولا كفرًا.
السؤال الجوهري الذي نطرحه نحن كمسيحيين هو: لماذا يحاول البعض التشكيك دائمًا فيما نُعلنه بوضوح عن إيماننا؟ نحن لا نُخفي معتقدنا، بل نُصرّح به علنًا منذ القرون الأولى، ونُدَرِّسه ونشرحه في كنائسنا وكتبنا اللاهوتية. فلو كنّا نعبد ثلاثة آلهة – كما يُتَّهَمنا البعض – فما الذي يمنعنا من الجهر بذلك؟ ولماذا نُصرّ على التوحيد إن كان إيماننا الحقيقي في جوهره تعددًا؟ أليس من الأولى أن نُعلن تعدد الآلهة بكل صراحة مفتخرين بذلك، ونوفر على منتقدينا عناء الاستدلال والاتهام والتأويل؟
لكن الحقيقة أننا نُعلن ونُكرر ونُعلّم أن الله واحد في جوهره، وأن ما ندعوه بالثالوث ليس ثلاث ذوات منفصلة ولا ثلاث آلهة متعددة، بل تمايز في الأقانيم داخل الوحدة الإلهية، كما يُعبّر عنها الإيمان المسيحي المستند إلى تقليد طويل عبر القرون مستندا على الإعلان الإلهي في الكتب المقدسة.
العدل والإنصاف يقتضي أن تُفهم العقائد كما يطرحها أصحابها، لا كما يتم تخيلها أو نقدها من خارج إطارها. والمعيار الصادق في أي حوار أن نستمع لما يقوله الطرف الآخر عن نفسه، لا لما نظنه نحن عنه.





الموضوع الأحدث

لاهوت المسيح وإرساليته من الآب

  يُعدّ موضوع “إرسال الابن من الآب ” إعلان أساسي في الأناجيل وبالأخص إنجيل يوحنا، ويظهر في الكثير من المواضع. ويُساء فهمه أحيانًا لدى البعض...

الأكثر قراءة