الأحد، 26 أبريل 2026

لاهوت المسيح وإرساليته من الآب

 يُعدّ موضوع “إرسال الابن من الآب إعلان أساسي في الأناجيل وبالأخص إنجيل يوحنا، ويظهر في الكثير من المواضع. ويُساء فهمه أحيانًا لدى البعض باعتباره دليلاً على دونية الابن وأنه مجرد نبي مُرسل كسائر الأنبياء!

إن مفهوم إرسال الابن لا يمكن فهمه في إطار الدونية أو الإرسالية النبوية، بل في إطار أعمق يرتبط بسرّ الثالوث والتجسد الإلهي. لذلك يقدّمه الكتاب المقدس كإعلان عن:

العلاقة الأقنومية الأزلية (البنوة) + التدبير الخلاصي في الزمن (التجسد)

أولًا: إرسال إلهي وليس إرسالية نبوية

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كَانَ اللهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللهِ وَأَتَيْتُ، لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي.” (يو 8: 42)

“لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 6: 38)

"كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي." (يو 6: 57)

هل الإرسال ينفي لاهوت المسيح؟ الإجابة: لا، لأن الآيات تُظهر أن الإرسال ليس مجرد تكليف خارجي، بل مرتبط بالخروج من الله والنزول من السماء. وهذه النصوص لا يمكن اختزالها في مجرد إرسال نبوي، لأنها تتجاوز مفهوم النبي المُرسل وتتكلم عن أصل إلهي سابق للزمن. لذلك الإرسال هنا يشير إلى العلاقة الأزلية (البنوة) + ظهورها في الزمن (التدبير)، وليس مجرد حدث زمني منفصل. 

لذلك حين يقول إنه أُرسل، لا ينبغي أن نفهم ذلك كإرسال الأنبياء، بل كإعلان أن الابن الكلمة، وهو من جوهر الآب، قد ظهر في الجسد. فالإرسال لا يفصل الابن عن الآب، بل يُظهر أنه منه. فالآب لم يُرسل الابن كآخر غريب عنه، بل ككلمة الله الحي، الذي إذ صار إنسانًا، أظهر لنا الآب، وأعادنا إليه.

"هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لَا تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ." (إش 55: 11)

ثانيًا: الحياة الأبدية ومعرفة الآب والابن

“وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.” (يو 17: 3)

  • الآب يُدعى “الإله الحقيقي”

  • الابن يُذكر معه كموضوع للخلاص

  • الحياة الأبدية هي المعرفة

  • المعرفة = شركة (الآب ويسوع المسيح)

  • لأن الابن يسوع المسيح هو الطريق لهذه المعرفة

"لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ»." (يو 14: 7)

"فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلَا أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا»." (يو 8: 19)

"كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." (مت 11: 27)

لذلك لو كان الابن آخر غير الله، لما كانت معرفته حياة أبدية. لأن الحياة الأبدية لا تُعطى بمعرفة مخلوق، بل بمعرفة الله، ولكان ذكر الآب فقط يكفي هنا. فإذًا ذكره مع الآب يعلن وحدته معه وانه هو الله.

ثالثًا: طاعة الابن لمشيئة الآب

“قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ.” (يو 4: 34)

“أَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا، كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 5: 30)

“لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 6: 38)

هل طاعة المسيح لمشيئة الآب تنفي لاهوته؟ الإجابة: لا، إن للمسيح مشيئتين بحسب طبيعته، إلهية وبشرية. لكن مشيئته البشرية لا تعارض الإلهية، بل تتبعها بطاعة وخضوع. فهو كإله، له نفس مشيئة الآب. وكإنسان، يطيع بإرادة بشرية حقيقية. فهذه الطاعة هي إعلان التجسد، لا دليل نقص. إذًا الطاعة لا تعني نقص بل إعلان الطبيعة البشرية الكاملة

رابعًا: وحدة الشهادة والعمل بين الآب والابن

"وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هَذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي." (يو 5: 36)

“وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي.” (يو 5: 37)

“أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 8: 18)

"فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذَلِكَ." (يو 5: 19)

فلو كان الابن أقل من الآب، لما كانت شهادته توضع بجانب شهادة الآب. لكن إذ هو كلمته وصورته، فشهادته هي نفس شهادة الآب. نفس الشيء على الأعمال فمهما عمل الآب فهذا يعمله الابن أيضا.

خامسًا: الإيمان بالمسيح ورؤيته إيمان بالآب ورؤيته

“فَنَادَى يَسُوعُ وَقَالَ: «الَّذِي يُؤْمِنُ بِي، لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 12: 44)

“وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (يو 12: 45)

هذه من أقوى النصوص، لأنها تعني أنه لا يمكن الوصول إلى الأب خارج المسيح. فالابن هو صورة الآب، ومن يرى الصورة يرى الأصل. فالابن هو صورة الآب غير المنظور، فمن يراه لا يرى آخر غير الآب، بل يرى الآب فيه. لأنهما واحد في الجوهر.

سادسًا: إرسالية المسيح وإرسال الرسل

“كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.” (يو 17: 18)

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.” (يو 20: 21)

“مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (مت 10: 40)

“مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلاَدٍ مِثْلَ هَذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي فَلَيْسَ يَقْبَلُنِي أَنَا بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.” (مر 9: 37)

“وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ قَبِلَ هَذَا الْوَلَدَ بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي…” (لو 9: 48)

“اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي…” (لو 10: 16)

“اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: الَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي…” (يو 13: 20)

إرسال المسيح هنا متمايز عن إرسال الرسل. لأن المسيح هنا هو الذي يُرسل الرسل! فالذي يُرسل الرسل لا يمكن أن يكون مخلوقا بل الله نفسه. المسيح هنا مرسل بالطبيعة كابن (كلمة) خارج من الآب، أما الرسل مرسلون ليكرزوا باسمه بالنعمة من الابن كإله. فعندما أرسلهم لم يجعلهم مثله في الطبيعة، بل أعطاهم كرامة الخدمة باسمه. فالفرق عظيم بين الابن بالطبيعة والعبد الذي نال التبني بالنعمة.

سابعًا: القيامة والحياة غاية الإرسال

"«اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلَا يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ." (يو 5: 24)

"لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ»." (يو 6: 40)

"لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ." (يو 6: 44)

  • الآب يُرسل الابن: "الَّذِي أَرْسَلَنِي"

  • الآب والابن موضوع الإيمان: "يُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي" و"مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ"

  • الابن الذي أُرسل هو نفسه الذي يُقيم الموتى وهو عمل إلهي: "أَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" 

"لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذَلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ." (يو 5: 21)


مما سبق يتّضح أن مفهوم إرسال الابن لا يمكن فهمه في إطار الدونية أو الإرسالية النبوية، بل في إطار أعمق يرتبط بسرّ الثالوث والتجسد الإلهي. فالإرسال لا يفصل الابن عن الآب، بل يُعلن أنه منه، كما أن الطاعة لا تنفي الألوهية بل تكشف عن حقيقة التجسد الإلهي، وأن ما يفعله الابن هو بعينه عمل الآب، لأن “كل ما للآب هو للابن” (يو 16: 15).

وبذلك فإن الإرسال في الإيمان المسيحي ليس تقليلاً من شأن الابن، بل هو إعلان محبة الآب المتدفقة في التاريخ، حيث دخل الكلمة إلى العالم لا كغريب عن الآب، بل كإله متجسد ليهب الحياة الأبدية لكل من يؤمن به. 

وبهذا نرى أن المسيح المرسَل هو نفسه الكلمة الأزلي المولود من الآب والواحد معه في الجوهر، والإرسال هو ظهور في الزمن لمن هو كائن مع الآب قبل كل الدهور، لا انفصالًا عنه بل إعلانًا له.


الثلاثاء، 27 مايو 2025

هل يعبد المسيحي ثلاثة آلهة؟

 

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا بين بعض المسلمين ويجتهد البعض حاليا من خلال فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي في الادعاء أن المسيحي "يعبد ثلاثة آلهة" بسبب عقيدة الثالوث المسيحية. هذا الادعاء، وإن كان نابعًا من بعض المسلمين بسبب الغيرة على إيمانه بالتوحيد المطلق، لكنه يعكس غالبًا سوء فهم لمضمون العقيدة المسيحية التي تُقِر الإيمان بإله واحد. وهذا الأمر لا يعكس سوء فهم فقط، بل يتعدى ذلك إلى الاستماتة من خلال تقديم كتابات وفيديوهات في محاولة إثبات أن المسيحي يعبد ثلاثة آلهة!
نؤمن نحن المسيحيون بإله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب، والابن، والروح القدس. وهذه الأقانيم ليست ثلاث ذوات منفصلة أو ثلاثة آلهة مستقلين، بل تعيّنات داخلية أو مميزات خاصة (أقانيم) في ذات واحدة في الجوهر الإلهي الواحد. فنقول: "نعبد إلهًا واحدًا في ثلاث أقانيم أزلية.". فكل أقنوم هو نفس ذات الله كاملًا، دون انفصال أو انقسام في الذات الإلهية. هذا المفهوم لا يعني التعدد العددي للآلهة، بل هو مفهوم لاهوتي عقد للتعبير عن كمال الذات الإلهية من خلال علاقات داخلية، وليس تعددًا في الذوات.
المنهج العادل في الحوار أن يُبنى الحكم على عقائد الآخرين كما يُعبّرون هم عنها، لا كما نتخيلها نحن. فعقيدة الثالوث لا يصح أن تُفهم من خلال تصورات مشوَّهة لبعض المسلمين، ثم تُبنى عليها اتهامات جاهزة بالشرك وتعدّد الآلهة. فهناك فرق بين أن تفهم وأن تؤمن. فالمسلم غير مُطالب بالإيمان بالثالوث، فهو حرّ في معتقده، لكن إن أراد أن يتحدث عنه أو ينقده، فعليه أن يفعل ذلك بناء على اعتقاد المسيحي المؤمن به، لا كما يصوّره في ذهنه بناءً على افتراضات خاطئة.
وقد اتبع هذا المنهج عدد من كبار علماء الإسلام في تناولهم لعقيدة الثالوث المسيحية، مثل الغزالي، والرازي. فمع أنهم كتبوا ردودًا وانتقادات لما يؤمن به المسيحيون، إلا أنهم حين تحدّثوا عن الثالوث تناولوا العقيدة كما يعبّر عنها أهلها، لا كما يُساء فهمها.
أبو حامد الغزالي (450هـ-505هـ/1058م-1111م)، الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل، ص147-148
"لأنهم يعتقدون أن ذات الباري واحدة في الموضوع، ولها اعتبارات……. هذا حاصل هذا الاصطلاح، فتكون ذات الإله واحدة في الموضوع، موصوفة بكل أقنوم من هذه الأقانيم."
فخر الدين الرازي (544هـ-606هـ/1149م-1210م)، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج11 ص118
"واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدا، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، وإلا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعددة قائمة بأنفسها……….. وأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة ، فهذا لا يمكن إنكاره ، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد."
هنا الإمام الرازي، المعروف بدقته في العقائد بين علماء الإسلام، لم يُسارع إلى الحكم على عقيدة الثالوث بالشرك، إلا في حال ثبوت القول بوجود "ذوات" إلهية مستقلة، وهو يراها كذلك – رغم أن لا أحد من المسيحيين يقول بذلك. لكن الرازي يُقرّ بأنه إن فُهمت "الثلاثة" على أنها صفات داخلية في ذات إلهية واحدة، فلا يُعد ذلك شركًا. ونحن كمسيحيين نؤمن بأن الأقانيم ليست ذواتًا منفصلة، بل هي تمايزات خاصة وتعيّنات أزلية في الذات الإلهية الواحدة. بل إن الرازي نفسه يرى أن العقيدة الإسلامية أيضًا لا تنفي تعدد الصفات في ذات الله، ولا يُعد ذلك تعددًا في الألوهية، ولا كفرًا.
السؤال الجوهري الذي نطرحه نحن كمسيحيين هو: لماذا يحاول البعض التشكيك دائمًا فيما نُعلنه بوضوح عن إيماننا؟ نحن لا نُخفي معتقدنا، بل نُصرّح به علنًا منذ القرون الأولى، ونُدَرِّسه ونشرحه في كنائسنا وكتبنا اللاهوتية. فلو كنّا نعبد ثلاثة آلهة – كما يُتَّهَمنا البعض – فما الذي يمنعنا من الجهر بذلك؟ ولماذا نُصرّ على التوحيد إن كان إيماننا الحقيقي في جوهره تعددًا؟ أليس من الأولى أن نُعلن تعدد الآلهة بكل صراحة مفتخرين بذلك، ونوفر على منتقدينا عناء الاستدلال والاتهام والتأويل؟
لكن الحقيقة أننا نُعلن ونُكرر ونُعلّم أن الله واحد في جوهره، وأن ما ندعوه بالثالوث ليس ثلاث ذوات منفصلة ولا ثلاث آلهة متعددة، بل تمايز في الأقانيم داخل الوحدة الإلهية، كما يُعبّر عنها الإيمان المسيحي المستند إلى تقليد طويل عبر القرون مستندا على الإعلان الإلهي في الكتب المقدسة.
العدل والإنصاف يقتضي أن تُفهم العقائد كما يطرحها أصحابها، لا كما يتم تخيلها أو نقدها من خارج إطارها. والمعيار الصادق في أي حوار أن نستمع لما يقوله الطرف الآخر عن نفسه، لا لما نظنه نحن عنه.





الأحد، 29 سبتمبر 2024

المزمور الأول

1 طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. 2 لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا. 3 فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ. 4 لَيْسَ كَذلِكَ الأَشْرَارُ، لكِنَّهُمْ كَالْعُصَافَةِ الَّتِي تُذَرِّيهَا الرِّيحُ. 5 لِذلِكَ لا تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ، وَلاَ الْخُطَاةُ فِي جَمَاعَةِ الأَبْرَارِ. 6 لأَنَّ الرَّبَّ يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ، أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَتَهْلِكُ.


يعتبر المزمور الاول بمثابة مقدمة لسفر المزامير، ويوضح الطريقين اللذين يمكن للإنسان أن يسير فيهما: طريق الأبرار وطريق الأشرار.
نظرة عامة على المزمور
سعادة الإنسان البار (الآية 1-3):
يبدأ المزمور بالتطويب الإنسان الذي يرفض السير في طريق الأشرار والخطاة والمستهزئين. بدلاً من ذلك، يجد متعته في "ناموس الرب" أي في كلام الله وتعاليمه. هذا الإنسان الذي يتأمل في شريعة الله يلقى ثمارًا مباركة، فيكون مثل شجرة مغروسة عند جداول المياه، تعطي ثمرها في أوانه وتظل ورقتها خضراء، وهو تشبيه يدل على الحياة الروحية المزدهرة والنجاح المستمر في حياة البار.

مصير الأشرار (الآية 4-5):
في المقابل، يُشبِّه المزمور الأشرار بـ"القش الذي تذروه الريح"، مما يدل على أن حياتهم غير ثابتة ولا تستمر. لأنهم لم يبنوا حياتهم على أساس قوي، فلن ينجوا في يوم الحساب ولن يكون لهم مكان بين جماعة الأبرار.

خاتمة (الآية 6):
ينهي المزمور بالقول أن الله يعرف طريق الأبرار، بمعنى أنه يحميهم ويرشدهم، بينما طريق الأشرار ينتهي بالهلاك. هذا يظهر أن الله يراقب كل إنسان ويعلم طريقه، وأن البر يقود إلى الحياة، بينما الشر يقود إلى الفناء.
الشرح التفصيلي للآيات
الآية 1: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ."
طُوبَى: تشير إلى السعادة أو البركة.
الرجال الثلاثة: يشير المزمور إلى ثلاث مراحل من الانغماس في الخطيئة:
السلوك في مشورة الأشرار: الاستماع إلى نصائح وأفكار الأشرار.
الوقوف في طريق الخطاة: اتخاذ موقف أو انغماس في أفعال الخطيئة.
الجلوس في مجلس المستهزئين: الوصول إلى درجة من الاستهزاء والتقليل من شأن الأمور الروحية.

الآية 2: "بَلْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً."
ناموس الرب: تشير إلى التعاليم والأحكام التي وضعها الله.
مسرة: تعني الفرح والسرور في اتباع تعاليم الله.
الاهتداء نهارًا وليلاً: يعكس أهمية الاستمرارية في التأمل والتفكر في كلماته.

الآية 3: "فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ، وَكُلُّ مَا يَصْنَعُ يَنْجَحُ."
شجرة مغروسة: تشبيه يدل على الاستقرار والنمو الروحي.
عند جداول المياه: تشير إلى الحصول على غذاء روحي مستمر من الله.
الثمار والأوراق: تشير إلى نتائج البركة والنجاح في حياة المؤمن. تعكس الحالة الصحية والنمو الروحي.

الآية 4: "لَيْسَ كَذَلِكَ الأَشْرَارُ، لَكِنَّهُمْ كَالْقَشِّ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِّيحُ."
الأشرار: هم أولئك الذين يبتعدون عن تعاليم الله.
القش: رمز للعدم والاستقرار، حيث تُظهر الصورة كيف أن الأشرار ليس لهم أساس قوي، وبالتالي ينتهي بهم الأمر إلى الضياع.

الآية 5: "لِذَلِكَ لاَ تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ، وَلاَ الْخُطَاةُ فِي جَمَاعَةِ الأَبْرَارِ."
لا تقوم الأشرار في الدين: تشير إلى عدم قدرتهم على الوقوف في اليوم الأخير أو في محضر الله.
جماعة الأبرار: تشير إلى المؤمنين الذين يسيرون في طريق البر.

الآية 6: "لأَنَّ الرَّبَّ يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ، أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَتَهْلِكُ."
يعلم طريق الأبرار: تعني أن الله يرعى الأبرار ويعرف تفاصيل حياتهم.
أما طريق الأشرار فتهلك: تبيّن أن مصير الأشرار هو الفناء.

الدروس المستفادة

1- اختيار الطريق الصحيح: يسلط المزمور الضوء على أهمية اختيار طريق البر وتجنب مسالك الشر.
2- تأمل تعاليم الله: يشجع المؤمنين على الانغماس في تعاليم الله والتفكر فيها بعمق.
3- ثمر الروح: يعكس المزمور فكرة أن الحياة الروحية القوية تؤدي إلى ثمار جيدة ونجاح.

المزمور يدعونا لاختيار طريق البر والسعي للحياة وفقًا لتعاليم الله، لأنه في النهاية البر يقود إلى النجاح الروحي والحياة، في حين أن الشر يقود إلى الهلاك. لذلك، علينا تقييم اختياراتنا للعيش في توافق مع تعاليم الله ووصاياه، وان نفهم أن الطريق الذي نسلكه سيؤثر على مصيرنا الروحي.





الاثنين، 14 نوفمبر 2022

سبحوا الله في قُدسِهِ أَم سبحوا الله في قِدِّيسِيه؟

 

العبارة الأولى في المزمور 150 "سبحوا الله في قُدسِهِ" أم "سبحوا الله في قِدِّيسِيه"؟ لماذا نجدها في بعض الترجمات "قدسه" وفي ترجمات أخرى "قديسيه"؟!

الكلمة في النص العبري هنا בְּקָדְשׁ֑וֹ
بـِ/قَدِش/وُ be-ka-de-Sho
في مَقدِسِهِ in his sanctuary

فكلمة קָדְשׁ معناها (مَقدِس) في المُفرد. وبحسب فهم العهد القديم يُفهم أنه مكان وحيد وأن التسبيح يكون في (مكان) المَقْدِس أي الهيكل الموجود في أورشليم. لأنه كان بيت الله حيث يسكن وسط شعبه. وعليه تُفهم: سبحوا الله في هيكله أو مكانه المقدس.

أما التعبير بحسب الترجمة اليونانية السبعينية
εν τοις αγιοις αυτου
إن تِس هاجيِيس أڤتو en tis hagies avtou
في ال قدسات/قديسين هـ (الذين له)
in the hollies (things/places)/saints of him

وهنا كلمة αγιοις تأتي جمع في حالة القابل بمعنى (مُقَدَّس) وتستخدم الكلمة للأشياء things وللإنسان man أيضا، فيمكن أن تشير هنا لأماكن أو أشياء مقدسة أو أناس قديسين. وعليه تُفهم: سبحوا الله في القدسات (الأماكن) أو القديسين (الناس) الذين له

وبناء على مفهوم العهد الجديد الخلاصي نحن تقدسنا في المسيح وصرنا نحن هيكلا مقدسا لله ولم يعد يقتصر سُكنى الله على هيكل حجري قائم بمكان مُعين كما كان في العهد القديم، فهيكل الله الآن هو جميع المُقدسين في المسيح يسوع. وأرى أنه لذلك السبب أخذت ترجمة المزمور ال 150 عن القبطية المأخوذة من الترجمة السبعينية هذا المعنى والمفهوم.

الجمعة، 1 يوليو 2022

سلسلة تعليقات على سفر ملاخي

 

الأصحاح الأول: أحببتكم واحتقرتموني

الأصحاح الثاني: كهنة منحرفون وشعب دنس

الأصحاح الثالث: ارجعوا إليَّ أرجع إليكم

الأصحاح الرابع: شمس البر وأجنحة الشفاء



الاثنين، 13 يونيو 2022

نُصُب ميشع ملك موآب وتاريخ إسرائيل


حجر موآب The Moabite Stone أو نصب ميشع Mesha Stele،[i] هو نصب تاريخي كتبه "ميشع" ملك موآب، في القرن التاسع قبل الميلاد في وسط الأردن، ويُعد من أقدم وأطول الأنصاب التاريخية المكتوبة المكتشفة في بلاد الشام والتي يُخَلِّد فيها الملك "مشيع" الانتصارات التي حققها عندما تمرد على إسرائيل بعد موت "آخاب" وتعود تقريبا لعام 840 ق.م. واكتشف هذا النقش الأثري الهام على يد أحد الرهبان الألمان العاملين في مدينة القدس عام 1868م.

 

وأهمية حجر نصب ميشع الموآبي ترجع إلى أنه يؤكد قصص الكتاب المقدس والدقة التاريخية والجغرافية للكتاب المقدس التي دونت في (2 ملوك 1: 1، 3: 4-27؛ 10: 32-33).

 

1يوثق خضوع موآب لـ "عُمري" ملك إسرائيل عام 885 ق م.

 

2يوثق تمرد موآب بعد وفاة "أخاب" عام 841 ق م.

 

3يذكر الأسماء التي وردت في الكتاب المقدس مثل: "ميشع" مربي الأغنام و"عُمري" و"أخاب" و"إسرائيل" و"يهوه" و"كموش".

 

4يورد أماكن ذُكرت في الكتاب المقدس مثل: موآب وإسرائيل ونبو وعطاروت وديبون وميدابا.

 

ويُعتبر هذا الأثر حتى الآن هو الأثر الأقدم الذي ذكر "إسرائيل" وملوكها مثل "عُمري" و"أخاب" وأيضا اسم "يهوه" وبعض المدن في ذلك الزمان. ويتوافق مع الأحداث والأماكن التي ذكرها سفر الملوك الثاني.

  

 


[i] Brown, W. Moabite Stone [Mesha Stele]. World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/Moabite_Stone_[Mesha_Stele]/

 

السبت، 4 يونيو 2022

المفهوم السليم لوراثة الخطية عند البابا كيرلس السادس


هناك فرق كبير أن نتكلم عن وراثة الخطية بمعنى "وراثة الذنب" كما لو كنا مشاركين آدم في الفعل، أو بمعنى وراثة الميول والشهوات الردية والفساد المؤدي للموت التي ورثناها بالطبيعة كوراثة المرض فأصبحنا في "حالة خطية". كِلا المفهومين يُمكن أن يُعبَّر عنهما بكلمة "الخطية"، ولكن شتّان الفارق بين مدلول القصد بين كل منهما.


في رسالته الفصحية عام 1960،[i] يُقدم البابا كيرلس السادس التعليم الأرثوذكسي السليم الذي تعلمته الكنيسة عبر العصور لمفهوم "وراثة الخطية". فيشرح في الرسالة كيف شمل الخطأ الذي ارتكبه آدم كل جنسنا البشري لأنه كان أبًا لجميع البشر، وأن الجميع تحملوا تبعات سقوطه لأنهم ورثوا "حالة" أبيهم آدم بعد السقوط لكنهم لم يرثوا خطيئته (الذنب نفسه)، ويؤكد أن الخطية نفسها لا تورث من الأب للابن، ولا يمكن أن يؤخذ الإنسان بذنب آدم. ويُكرر في الرسالة عدة مرات أن ما ورثته البشرية هو الحالة والنتائج فقط أي السقوط والفساد والموت وليس الذنب نفسه.


ويشرح البابا كيرلس السادس في الرسالة بأن بسبب السقوط فقد آدم الصلاح والقداسة والبر، وانحطت نفسه واظلم عقله وملكت عليه الميول والشهوات الجسدية، ودب فيه الضعف والانحلال، والمرض، والموت نفسا، وجسدا. وهي الحالة التي ورثناها كوراثة المرض. ويشرح كيف أصلح فداء الرب يسوع المسيح عواقب السقوط بأن صرنا وارثين للبر ومُنحنا بركات الفداء باتحادنا به.


الأربعاء، 1 يونيو 2022

الضربات العشر والتاريخ المصري القديم - بردية إيبوير


في أوائل القرن التاسع عشر عُثر على بردية إيبويرIpuwer Papyrus ، والتي نشر ترجمتها العالم الأثري الإنجليزي الشهير آلان جاردينر Alan Gardiner.[i] وهي مجموعة من ورق البردي مكتوبة بالخط الهيراطيقي والتي يعود تاريخها إلى نهاية عصر الدولة الوسطى أو بدايات الدولة الحديثة في مصر على أقصى تقدير،[ii] وتُسمى "عتاب إيبوير" The Admonitions of Ipuwer. وهذه البرديات محفوظة حاليا في متحف ليدن Leiden في هولندا.[iii] 


وتصف هذه البرديات اضطرابات عنيفة حدثت في جميع أنحاء أرض مصر. وكاتب هذه البرديات مصري يدعى إيبوير Ipuwer والذي يبدو أنه سجل هذه الاحداث كشاهد عيان. وفيما يلي مقتطفات من هذه البرديات والمقابلة بينهما وبين ما ورد في سفر الخروج من توراة موسى النبي.


بردية إبيوير

التوراة – سفر الخروج

2: 5-6 الطاعون في جميع أنحاء الأرض. الدم في كل مكان.

2: 10 النهر دم.

2: 10 ينقبض الرجال من التذوق - البشر، والعطش لأجل الماء

3: 10-13 هذا هو ماءنا! هذه هي سعادتنا! ماذا نفعل لأجله؟ كله فسد.

7: 20-21 فَتَحَوَّلَ كُلُّ الْمَاءِ الَّذِي فِي النَّهْرِ دَما... وَانْتَنَ النَّهْرُ... وَانْتَنَ النَّهْرُ فَلَمْ يَقْدِرِ الْمِصْرِيُّونَ انْ يَشْرَبُوا مَاءً مِنَ النَّهْرِ. وَكَانَ الدَّمُ فِي كُلِّ ارْضِ مِصْرَ.

7: 24 وَحَفَرَ جَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ حَوَالَيِ النَّهْرِ لأجل مَاءٍ لِيَشْرَبُوا لانَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا انْ يَشْرَبُوا مِنْ مَاءِ النَّهْرِ.

2: 10 حقًا!! البوابات والأعمدة والجدران أهلكت بالنار.

10: 3-6 تبكي مصر السفلى ... القصر بأكمله بلا إيرادات.

6: 3 حقا فجأة، الحبوب قد هلكت من كل جانب.

5: 12 فجأة، هلك الذي شوهد بالأمس. الأرض متروكة لخرابها مثل قطعة الكتان.

9: 23-25 ... وَجَرَتْ نَارٌ عَلَى الارْضِ...  فَكَانَ بَرَدٌ وَنَارٌ مُتَوَاصِلَةٌ فِي وَسَطِ الْبَرَدِ. شَيْءٌ عَظِيمٌ جِدّا... فَضَرَبَ الْبَرَدُ فِي كُلِّ ارْضِ مِصْرَ جَمِيعَ مَا فِي الْحَقْلِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ. وَضَرَبَ الْبَرَدُ جَمِيعَ عُشْبِ الْحَقْلِ وَكَسَّرَ جَمِيعَ شَجَرِ الْحَقْلِ

9: 31 فَالْكَتَّانُ وَالشَّعِيرُ ضُرِبَا. لانَّ الشَّعِيرَ كَانَ مُسْبِلا وَالْكَتَّانُ مُبْزِرا

10: 15 لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ اخْضَرُ فِي الشَّجَرِ وَلا فِي عُشْبِ الْحَقْلِ فِي كُلِّ ارْضِ مِصْرَ.

5: 5 كل الحيوانات تبكي. الماشية تئن.

9: 2-3 هوذا تُترك الماشية لتضل، ولا يوجد أحد ليجمعها معا.

9: 3... تَكُونُ عَلَى مَوَاشِيكَ الَّتِي فِي الْحَقْلِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وبأ ثَقِيلا جِدّا.

9: 19 ... وَالْبَهَائِمِ الَّذِينَ يُوجَدُونَ فِي الْحَقْلِ وَلا يُجْمَعُونَ الَى الْبُيُوتِ يَنْزِلُ عَلَيْهِمِ الْبَرَدُ فَيَمُوتُونَ.

9: 11 الأرض بلا نور.

10: 22 ... فَكَانَ ظَلامٌ دَامِسٌ فِي كُلِّ ارْضِ مِصْرَ...

4: 3 حقا فجأة انكسر أبناء الأمراء على الجدران.

6: حقا!! أبناء الأمراء طُرحوا في الشوارع.

6: 3 السجن خراب.

2: 13 في كل مكان هناك من يدفن أخاه في الارض.

3: 14 أنين في جميع أنحاء الأرض، يمتزج مع الرثاء.

11: 5-6 فَيَمُوتُ كُلُّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الْجَارِيَةِ الَّتِي خَلْفَ الرَّحَى، وَكُلُّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ. وَيَكُونُ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ وَلاَ يَكُونُ مِثْلُهُ أَيْضًا.

12: 29-30 ... الرَّبَّ ضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ فِي ارْضِ مِصْرَ مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ الَى بِكْرِ الاسِيرِ الَّذِي فِي السِّجْنِ وَكُلَّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ... وَكَانَ صُرَاخٌ عَظِيمٌ فِي مِصْرَ لأنه لَمْ يَكُنْ بَيْتٌ لَيْسَ فِيهِ مَيِّتٌ.

7: 1 هوذا قد اشتعلت النيران في الأعالي. حريقها يذهب مقابل أعداء الأرض.

13: 21 ... يَسِيرُ امَامَهُمْ نَهَارا فِي عَمُودِ سَحَابٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ وَلَيْلا فِي عَمُودِ نَارٍ لِيُضِيءَ لَهُمْ - لِكَيْ يَمْشُوا نَهَارا وَلَيْلا.

3: 2 الذهب واللازورد والفضة والملكيت والعقيق والبرونز... تُعقد على أعناق الإماء.

12: 35-36 ... طَلَبُوا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ امْتِعَةَ فِضَّةٍ وَامْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابا. وَاعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عُيُونِ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى اعَارُوهُمْ. فَسَلَبُوا الْمِصْرِيِّينَ.



ومن المقابلة في الجدول السابق نجد تطابق كبير بين الأحداث المذكورة في البردية وبين ما ورد في سفر الخروج حول الضربات العشر. فقد ذكرت البردية [الطاعون] والذي يمكن أن يقابل ضربة الدمامل (خر 9: 9-10). وتَحَوُّل [النهر دم] والتي تُقابل ضربة تحويل الماء لدم في كل أرض مصر (خر 7: 17). 


ونجد أثر ضربة النار والبَرَد (خر 9: 23-25) وضربة الجراد (خر 10: 12-15). فتتكلم البردية عن النار: [حقًا!! البوابات والأعمدة والجدران أهلكت بالنار]، وفقدان ال [إيرادات] بسبب فناء [الحبوب] والمحاصيل والذي يرجع لضربة البَرَد الذي يحرق المحاصيل وأيضا أهلك [الماشية] والتي [لا يوجد أحد ليجمعها معا]. وخراب الأرض بالكامل حتى لم يوجد شيء متبقي. وتشير البردية إلى ضربة الماشية (خر 9: 3) فتقول: [كل الحيوانات تبكي. الماشية تئن]. وأيضا نجد ضربة الظلام (خر 10: 22) الذي جعل [الأرض بلا نور] كما وصفته البردية.


وتُسلط البردية الضوء أيضا على فاجعة موت الأبناء، من أول أبناء الأمراء [انكسر أبناء الأمراء] إلى السجناء [السجن خراب]، وكيف وصل الموت إلى كل بيت [في كل مكان هناك من يدفن أخاه في الأرض]، فالمناحة والأنين في كل مكان [أنين في جميع أنحاء الأرض، يمتزج مع الرثاء]. وهو ما يمكن مقابلته بضربة موت الأبناء الأبكار في (خر 12: 29-30).


كما تُشير البردية لاستيلاء الإماء على نفائس المصريين [الذهب واللازورد والفضة، والملكيت، والعقيق، والبرونز.. تُعقد على أعناق الإماء]، وهو ما يتفق مع (خر 12: 35-36) بأن بني إسرائيل أخذوا من المصريين ذهبا وفضة قبل خروجهم. وتذكر البردية أيضا اشتعال نار مرتفعة [هوذا قد اشتعلت النيران مرتفعة. حريقها يذهب مقابل أعداء الأرض]، وربما يشير هذا لعمود النار (خر 13: 21) الذي كان يسير أمام شعب إسرائيل عند خروجهم من مصر.


وبهذا نجد إشارات قوية في بردية إيبوير على أحداث تقابل على الأقل سبع ضربات (تحول الماء لدم – الدمامل – البرد والنار – الجراد – وباء الماشية – الظلام – موت الأبكار) من الضربات العشر المذكورة في سفر الخروج. بجانب تفاصيل تتفق مع أحداث الخروج، وهو الأمر الذي من الصعب جدا أن يكون مجرد مصادفة.



[i] Gardiner, A. H. (1969). The admonitions of an Egyptian sage: From a hieratic papyrus in Leiden (pap. Leiden 344 recto). J.C. Hinrichs. https://dlib.nyu.edu/ancientworld/books/ifa_egypt000149/1

[ii] Habermehl, A. (2018). The Ipuwer Papyrus and the Exodus. In Proceedings of the Eighth International Conference on Creationism, ed. J.H. Whitmore, pp. 1–6. Pittsburgh, Pennsylvania: Creation Science Fellowship. https://digitalcommons.cedarville.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1011&context=icc_proceedings

[iii] Mark, J. J. (21/11/2016). The admonitions of Ipuwer. World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/article/981/the-admonitions-of-ipuwer/

 

الموضوع الأحدث

لاهوت المسيح وإرساليته من الآب

  يُعدّ موضوع “إرسال الابن من الآب ” إعلان أساسي في الأناجيل وبالأخص إنجيل يوحنا، ويظهر في الكثير من المواضع. ويُساء فهمه أحيانًا لدى البعض...

الأكثر قراءة